الشيخ السبحاني

445

بحوث في الملل والنحل

وقسم يراد منه تمييز الظاهر التصديقي عن الظاهر الحرفي ، وتمييز الظاهر البدوي عن الظاهر الاستمراري ( ما يستقرّ في الذهن بعد التدبّر ) ومثل هذا لا يتحقّق إلّا بالتأمّل في نفس الآية الكريمة وما احتفّ بها من القرائن اللفظية أو ما جاء في الآيات الأُخر . وهذا القسم لو صحّت تسميته بالتأويل ، تأويل مقبول . كيف وهو ليس بتأويل بمعنى صرف الكلام عن ظاهره والأخذ بخلاف الظاهر ، بل واقعيته تحديد ظاهر الكلام ، وتعيينه . وهذا من خواصّ كلِّ كلام مشتمل على نكات بديعة ومعاني رفيعة ألقي لهداية الناس باختلاف طبقاتهم وتعدّد ثقافاتهم . ومثل هذا لو صحّ عليه أنّه أخذ بخلاف الظاهر فإنّما هو أخذ بخلاف الظاهر الحرفي ورفض لظاهره الابتدائي . وأمّا الظاهر التصديقي والاستمراري فهو عين الأخذ به . ونمثِّل لك مثالًا : إذا قال القائل في تبيين سماحة شخص وجوده : « فلان كثير الرماد » فهناك ظاهر حرفي وظاهر تصديقي ، كما أنّ هناك ظاهراً بدئياً وظاهراً استمراريّاً . فالأوّل مرفوض جدّاً ، فإنّ كثرة الرماد في البيت لو لم يكن ذمّاً لا يكون مدحاً ، مع أنّ القائل بصدد المدح . والثاني مقبول عند العقلاء وعليه يدور رحى الفصاحة والبلاغة وإلقاء الخطب الرنّانة وإنشاء الكلم البليغ على الأسماع .